Language Selection

Get healthy now with MedBeds!
Click here to book your session

Protect your whole family with Orgo-Life® Quantum MedBed Energy Technology® devices.

Advertising by Adpathway

         

 Advertising by Adpathway

المغرب بين سياج أوروبا وعمق إفريقيا، قراءة جيوسياسية في تناقضات الدور وحتمية التحول في ظل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس

10 hours ago 1

PROTECT YOURSELF with Orgo-Life® QUANTUM TECHNOLOGY

Orgo-Life the new way to the future

  Advertising by Adpathway

منذ عقود، والجغرافيا تفرض على المغرب دورا استراتيجيا لا يحسد عليه، وهو أن يكون الحارس الجنوبي لأوروبا، بوابتها على إفريقيا، وسدها المنيع أمام تدفقات الهجرة غير النظامية والمخدرات والإرهاب. وفي مقابل هذا الدور الحيوي، لم تحصل الرباط على ما تستحقه من اعتراف سياسي، ولا على شراكة متكافئة، بل ظلت أوروبا تنظر إلى المغرب بعين المستفيد الذي يجب أن يقدم الخدمات الأمنية مجانا، بينما تغلق في وجهه أبواب السيادة الكاملة، وتصر على مواقف عدائية في ملفات الصحراء والمدن المحتلة، وحتى في الاعتراف بجرائمها التاريخية. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا التحليل الجيوسياسي المتين ليضع النقاط على الحروف، ويفكك تناقضات الدور المغربي، ويفتح نقاشا جريئا حول حتمية التحول من حارس متعب على الأسوار، إلى فاعل استراتيجي يملي شروطه، ويعيد تعريف علاقته مع كل من أوروبا وعمقه الإفريقي، وذلك في سياق الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي استشرف مبكرا أن الوقت قد حان لتجاوز الأدوار التقليدية، والانتقال إلى مرحلة جديدة من القوة والسيادة.

وتصر أوروبا على تصنيف المغرب كدولة عبور أو دولة منشأ للهجرة، بينما هو في الواقع دولة استقرار واستضافة، يستقبل ملايين الأفارقة من جنوب الصحراء، ويؤمنهم، ويدمجهم، بينما أوروبا تغلق حدودها وتدفع المغرب ليكون درعها الأمني. وفي المقابل، لا تعترف أوروبا بسيادته الكاملة على الصحراء المغربية، رغم أن موقفها الرسمي يصف مقترح الحكم الذاتي بالجدي وذا المصداقية، لكنها تتردد في خطوة الاعتراف النهائي، وتظل أسيرة للوبي البوليزاريو والجزائري. 

وتصر على موقفها من مدينتي سبتة ومليلية، وتعتبرهما أرضا إسبانية، بينما هما أراض مغربية محتلة، وتشرع الترحيل منهما، وتتجاهل جرائمها التاريخية كاستعمال الغازات السامة ضد المدنيين في الريف وجبالة، ولا تقدم تعويضات عادلة، بل تكتفي بمبالغ هزيلة تعد إهانة لكرامة الضحايا. وتمنح الجنسية لعناصر البوليزاريو وتوطنهم في مدنها، في محاولة لتكريس الانفصال، وتتجاهل حقوق أحفاد الموريسكيين في الجنسية، بينما منحت الجنسية لأحفاد اليهود السفارديم، في تمييز عنصري تاريخي واضح. وهذه ليست شراكة، بل استغلال مقنع بغلالة التعاون الأمني والإنساني.

وهنا يبرز التناقض الأكبر في الدور المغربي، فهو مطلوب أمنيا وممنوع سياسيا. يمارس المغرب دورا أمنيا لا تستطيع أوروبا الاستغناء عنه، فمنذ عام 2018، أحبط المغرب أكثر من مائة ألف محاولة هجرة غير نظامية نحو أوروبا سنويا، وفكك آلاف الخلايا الإرهابية، وشارك في استخبارات مكافحة الإرهاب مع الأجهزة الأوروبية، وضبط مئات الأطنان من المخدرات والمؤثرات العقلية، في تعاون استخباراتي مع إسبانيا وفرنسا. لكن هذا الدور الحيوي لا يترجم سياسيا، فكلما قدم المغرب خدمة أمنية، يقابل بإجراء إسباني عدائي، كتلك الجلسات البرلمانية التي تصوت على ترحيل المهاجرين من سبتة ومليلية، أو محاولات تشريع الرد الساخن، أو التغاضي عن توطين البوليزاريو. ولذلك، يطلب من المغرب أن يكون حارسا أمنيا، لكنه يمنع من أن يكون شريكا متكافئا في القرار السيادي.

وفي المقابل، فإن العمق الإفريقي ينتظر المغرب بذراعين مفتوحتين. إذا كانت أوروبا تصر على معاملة المغرب كخادم أمني لا حقوق له، فإن المغرب ليس أوروبيا ولن يكون، لكنه إفريقي بامتياز، فقد عاد إلى الاتحاد الإفريقي بقوة، وقاد ملفات التنمية في القارة، ووقع اتفاقيات شراكة استراتيجية مع دول الساحل وغرب إفريقيا في مجالات الأمن والطاقة والزراعة، ويصدر الخبرات الدينية والأمنية لدول إفريقية عديدة، ويمدها بالكوادر المدربة، ويرتبط تاريخيا وجغرافيا وبشريا بعمقه الإفريقي أكثر من أي ارتباط بأوروبا. وهذا العمق الإفريقي هو بديل استراتيجي لا يمكن لأوروبا تجاهله، فإذا استمرت السياسات الأوروبية في الضغط على المغرب دون تقدير لدوره، فإن التحول نحو إفريقيا سيكون خيارا لا مفر منه، وستخسر أوروبا شريكها الأكثر فاعلية في المنطقة بأكملها، وهو ما استشرفته الرؤية الملكية المتبصرة التي أدركت أن التعددية في العلاقات الدولية هي أساس القوة وليست التبعية لأي طرف.

وانطلاقا من هذه القراءة الجيوسياسية، يصبح من الواضح أن المطالب المغربية ليست منفصلة، بل هي حزمة واحدة، تمثل الحد الأدنى لشراكة متكافئة، وتشمل الاعتراف بالسيادة المغربية الكاملة على الصحراء، وإنهاء أي غموض أو مماطلة في هذا الملف، واعتبار مقترح الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والأوحد، والاعتراف بسبتة ومليلية كمدينتين مغربيتين محتلتين، ورفض أي تشريع أو إجراء إسباني فيهما، واعتبار الترحيل منهما اعتداء على السيادة المغربية، والتعويض العادل عن جرائم الغازات السامة في الريف وجبالة، واعتذار رسمي من الحكومة الإسبانية، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم، وإنشاء صندوق تعويضات يساهم فيه الطرف الإسباني، ومنح الجنسية الإسبانية لأحفاد الموريسكيين، أسوة بما مُنح لأحفاد اليهود السفارديم، واعتبار ذلك رد اعتبار تاريخي وليس منّة، ووقف توطين البوليزاريو في الجنسية الإسبانية، وكشف قوائم المتجنسين، واعتبار هذه الممارسة خرقا للقانون الدولي وانتهاكا للسيادة المغربية. وهذه المطالب ليست تفاوضية، بل هي خطوط حمراء، وهي شرط لأي تعاون مستقبلي في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والاقتصاد.

وفي هذا السياق، تأتي الزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا لتشكل محطة فارقة في مسار العلاقات الثنائية، حيث أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان نويل بارو من الرباط أن الملك محمد السادس يعتزم القيام بزيارة دولة مبرمجة إلى باريس، من دون تحديد موعدها بعد، على أن يسبقها اجتماع للجنة العليا المشتركة بين البلدين. وتتميز هذه الزيارة بحدث خاص غير مسبوق هو المعاهدة المغربية الفرنسية، التي ستكون أول معاهدة من نوعها للمغرب مع دولة أوروبية، حيث أكد بوريطة أن الزيارة الملكية المرتقبة ستتوج بإبرام إطار تعاقدي جديد يحمل بعدا سياسيا وقانونيا استثنائيا. من جانبه، أعلن الوزير الأول الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن هذه الزيارة الملكية المرتقبة ستترجم بتوقيع معاهدة صداقة غير نمطية بين البلدين، تهدف إلى تغيير مقياس العلاقة الثنائية، لتجعل من فرنسا مرسى ارتكاز لعلاقة المغرب مع الاتحاد الأوروبي. وتكتسي هذه المعاهدة أهمية استثنائية، إذ سيكون المغرب أول دولة غير أوروبية تبرم مع فرنسا معاهدة صداقة من هذا النوع، والتي كانت مخصصة حتى الآن لشركاء أوروبيين مثل ألمانيا وإيطاليا. وتأتي هذه الدينامية الدبلوماسية في سياق التقارب المتسارع بين الرباط وباريس، خاصة بعد الزيارة التاريخية للرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024 التي كرست شراكة استثنائية معززة، تلاها اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على إقليم الصحراء المغربية، وهو ما وضع العلاقات بين البلدين أمام منعطف جديد من التعاون. وقد عبر خبراء في العلاقات الدولية عن أن هذه الزيارة الملكية، التي تأتي بصبغة زيارة دولة، سترسي آفاقا جديدة للتعاون والتنسيق في قضايا مشتركة كبرى، أبرزها الوضع في الساحل والصحراء والشرق الأوسط، في خطوة تعكس وعيا فرنسيا بأن العلاقات مع المغرب، خلافا للتذبذب الذي يميز العلاقات مع الجزائر، مبنية على روح التعاون والركائز الأساسية.

وفي المقابل، تبرز هنا المفارقة الكبرى، فبينما تنفتح فرنسا على المغرب بهذه الزيارة التاريخية والمعاهدة غير المسبوقة، تظل إسبانيا رهينة إرثها الاستعماري وتوصيات الملكة إيزابيلا لا كاتوليكا. وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال دور الدولة العميقة الإسبانية، تلك الشبكة من النخب التقليدية، أوساط رجال الأعمال، النخب المالية، والمؤسسة العسكرية، التي مارست نفوذاً كبيراً في مراحل تحول إسبانيا نحو الديمقراطية وما بعدها. وتلعب المؤسسة الملكية دورا محوريا في هذه المنظومة، إذ يُنظر إلى العاهل الإسباني فيليبي السادس بوصفه رمزا لوحدة الدولة وحلقة الوصل مع هذه القوى النافذة. ومع أن الملك يمارس مهامه الدستورية في إطار ملكية برلمانية، فإن دوره يتجاوز الجانب البروتوكولي، خاصة في الملفات الخارجية الكبرى، حيث يوظف كأداة دبلوماسية رفيعة المستوى لخدمة أجندة الدولة. وفي هذا السياق، تتقاطع مصالح الدولة العميقة الإسبانية مع تحركات الملك في الملف المغاربي، حيث تتشارك النخب التقليدية والمؤسسة الملكية في رؤية استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على النفوذ الإسباني في شمال إفريقيا، ومنع أي تحول في موازين القوى الإقليمية لصالح المغرب.

وفي سياق هذا التنافس المحتدم، قام رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بزيارة رسمية إلى الجزائر في 20 يوليو 2026، حيث كان في استقباله الرئيس عبد المجيد تبون في قصر المرادية بالعاصمة الجزائر، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ أربع سنوات. وقد رافق سانشيز في هذه الزيارة وفد رفيع المستوى ضم إلى جانبه كبار مسؤولي شركات الطاقة الإسبانية، في مؤشر واضح على أن ملف الطاقة كان على رأس أولويات المحادثات، خاصة وأن الجزائر أصبحت المورد الأول للغاز الطبيعي لإسبانيا منذ مطلع عام 2026. وقد حرص الرئيس تبون على وصف الزيارة بأنها محطة جوهرية تعكس الإرادة المشتركة لإعطاء دفع جديد للعلاقات الثنائية، مع الإشارة إلى النفس الجديد الذي يطبع العلاقات بين البلدين. ولم تقتصر المباحثات على ملف الطاقة، بل تناولت أيضاً التعاون في مجالات الأمن والهجرة غير النظامية ومكافحة الجريمة المنظمة، إلى جانب تنسيق المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية. وتأتي هذه الزيارة في وقت تسعى فيه مدريد إلى إعادة تعريف علاقتها مع الجزائر بعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت في مارس 2022، على خلفية إعلان إسبانيا دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء، وهو القرار الذي كان قد أثار غضب الجزائر ودفعها إلى تجميد معظم علاقاتها التجارية مع إسبانيا. غير أن هذه الديناميكية الدبلوماسية الجديدة بين مدريد والجزائر، والتي تأتي بالتزامن مع الزيارة الملكية المرتقبة إلى فرنسا، تثير تساؤلات حول الرسائل التي ترغب إسبانيا في إيصالها للمغرب، خاصة في ظل ما تشير إليه بعض المعطيات من أن قصر المنكلوا لم يرق له هذا التقارب المغربي الفرنسي، وأن أوساطا في مدريد قد تسعى إلى استغلال علاقاتها بالجزائر كورقة ضغط في ملفات الخلاف العالقة مع الرباط. وهذا ما يفسر، وفق بعض المعطيات غير المثبتة رسميا، حالة التوجس التي انتابت قصر المنكلوا، وما قيل عن محاولات إسبانية لاستخدام أوراق ضغط مالية، منها ما تردد عن إغراءات جزائرية تهدف إلى عرقلة هذا التقارب الدبلوماسي. فالملك فيليبي السادس، وإن كان يظهر في العلن بصفته ضامنا للاستقرار الدستوري، إلا أن مواقفه من قضايا مثل الهجرة غير النظامية في سبتة ومليلية تظهر انخراطا مباشرا في صياغة السياسات في ملفات تمس الأمن القومي الإسباني، مما يعكس تقاطعا بين الإرادة الملكية وإرادة الدولة العميقة في التعامل مع الملفات المصيرية. وإسبانيا التي تتعامل مع هذه الملفات بكل هذه السهولة وكأنها مجرد نقاط عابرة، تغفل عن حقيقة أساسية، أن هذه الملفات ليست تقنية أو أمنية، بل هي جذور تاريخية وهوية دينية، وأن سياسة مدريد اليوم ليست سوى امتداد لروح الكاثوليكية المتعصبة، وتحقيقا لتوصيات الملكة إيزابيلا لا كاتوليكا التي أوصت قبل وفاتها بأن تظل إسبانيا تتعامل مع المغرب من موقع قوة واستعلاء، وأن تبقى قضاياه مفتوحة وغير محسومة، وأن تظل الأراضي المغربية هدفا دائما للتمزيق والتفكيك. وهذه الوصية التي أرقت ضمير الباحثين والمؤرخين، لا تزال حية في السلوك الإسباني المعاصر، سواء في التعامل مع ملف الصحراء أو المدن المحتلة أو حتى في التعامل مع ملف الهجرة، حيث تخلط إسبانيا بين دورها كدولة أوروبية حديثة وبين إرثها الاستعماري الكاثوليكي، وهذا التناقض يضعها في مواجهة مستمرة مع المغرب الذي أصبح اليوم يملك من القوة والإرادة ما يكفي لمواجهة هذه التوصيات التاريخية وقلب المعادلة رأسا على عقب، وذلك بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك الذي أدرك مبكرا أن التحرر من التبعية يمر عبر تنويع الشراكات وتعزيز القوة الذاتية.

وهذا السياق التاريخي ليس وليد اليوم، بل له جذور تمتد إلى بدايات الفتح الإسلامي للأندلس، حيث بدأ المغرب بتنازلاته منذ تلك اللحظة المبكرة، حين تنازل القائد طارق بن زياد عن قيادة الفتح لموسى بن نصير، بعد أن كان هو القائد الفعلي الذي عبر بالجيش إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وحقق الانتصارات الأولى، لكنه قبل أن يخضع لأمر واليه موسى بن نصير الذي لحق به بعد ذلك وأراد أن يكون له النصيب الأكبر من المجد والفتح. وهذه الحادثة التاريخية التي يقلما يتحدث عنها المؤرخون بالتفصيل، تمثل أولى التنازلات المغربية الكبرى في علاقتها مع الأندلس، حيث قدم طارق بن زياد ما يملك من نصر لجنرالات المشرق، مقابل وعود لم تدم طويلاً، وظل المغرب منذ ذلك التاريخ يسجل تنازلات تلو الأخرى، حتى إن بعض المؤرخين يرون أن هذه العقلية التنازلية هي التي مهدت الطريق لسياسات إسبانية متعاقبة تقوم على أخذ الأراضي والمواقع دون تقديم مقابل حقيقي. واستمر هذا النمط عبر القرون، حتى وجدت إسبانيا نفسها تتعامل مع المغرب كطرف يمكن الضغط عليه وتقديم التنازلات المطلوبة مقابل وعود شكلية، وهذا ما يفسر استمرار السياسات الإسبانية العدائية حتى اليوم، لأنها تتعامل مع عقلية تنازلية تعودت على تقديم المكاسب دون انتظار مقابل عادل. لكن المغرب اليوم يختلف تماما عن ذلك الطرف التاريخي، فالروح الجديدة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، ترفض هذه العقلية وتعمل على بناء نموذج جديد من السيادة والقوة، حيث لم يعد التنازل خيارا استراتيجيا، بل أصبحت السيادة الكاملة والاعتراف المطلق بالحقوق هو الأساس. ولهذا فإن إسبانيا التي تعودت على هذا النمط التاريخي، تجد نفسها اليوم أمام مفاجأة كبرى، لأن المغرب الذي كانت تظنه قابلاً للتنازل، أصبح يصر على حقوقه بكل قوة، وهذا التحول الجذري في العقلية المغربية هو ما يثير الرعب في أوساط المؤسسات الإسبانية التقليدية، لأنها تدرك أن اللعبة تغيرت، وأن العصر الجديد لا مكان فيه للتنازلات التاريخية التي كانت تقدم هدايا مجانية لمن لا يستحقونها.

واليوم، المغرب ليس المغرب الأمس، لديه جيش قوي، واقتصاد صاعد، ودبلوماسية نافذة، ومكانة إقليمية ودولية متقدمة، وقدرته على فرض شروطه لم تعد نظرية بل أصبحت واقعا عمليا. ففي اللحظة التي يشعر فيها المغرب بعدم التقدير، لديه خياران أولهما، تعليق التعاون الأمني في ملف الهجرة، وترك الحدود مفتوحة أمام التدفقات نحو أوروبا، وهذا سيكون كافيا لإحداث أزمة كبيرة في جزر الكناري وسبتة ومليلية المحتلتين، لدرجة أن إسبانيا وأوروبا ستضطران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة. وثانيهما، التوجه بقوة نحو إفريقيا، وتكثيف الشراكات الاقتصادية والأمنية مع دول الساحل وغرب إفريقيا، وتقليص الاعتماد على الأسواق الأوروبية تدريجيا، والبحث عن بدائل في الصين وروسيا ودول الخليج. وهذان الخياران لا يعنيان قطع العلاقات، بل يعنيان إعادة تعريفها من علاقة عمودية قائمة على المستفيد والمستغل إلى علاقة أفقية قائمة على شراكة متكافئة. وهذا هو التحول الجيوسياسي الذي تتحدث عنه هذه الورقة، فالمغرب لم يعد ذلك الطرف الذي ينتظر الموافقة الأوروبية على خطواته، بل أصبح هو من يفرض إيقاع التغيير، وهذا ما يفسر حالة الارتباك التي تعيشها كل من مدريد والجزائر، اللتين تدركان أن المغرب قد دخل مرحلة جديدة من القوة والسيادة، لن تعود بعده الأمور إلى ما كانت عليه، وأن أي محاولة للتماطل أو التلكؤ في الاعتراف بحقوقه ستواجه برد فعل مغربي حازم، سواء على المستوى الدبلوماسي أو عبر استغلال الملفات المفتوحة التي تملك الرباط فيها أوراق قوة لا يستهان بها، وفي مقدمتها ملف الهجرة الذي يعد سلاحا استراتيجيا بيد المغرب، يمكن أن يقلب موازين القوى بين ليلة وضحاها، كل ذلك في إطار الرؤية المتبصرة لجلالة الملك الذي جعل من السيادة الوطنية خطا أحمر لا يمكن تجاوزه، ومن التنوع في العلاقات الدولية ركيزة أساسية للقوة الوطنية.

 إن المغرب ليس مجرد بوابة أوروبا إلى إفريقيا، بل هو حصن سيادي له تاريخه وهويته وقدرته على حماية مصالحه. وأوروبا التي تطلب من المغرب أن يكون حارسا لحدودها، يجب أن تدفع ثمن هذه الحراسة، ليس باليورو فقط، بل بالاعتراف بسيادته، واحترام حقوقه، والتعويض عن جرائمها التاريخية، ووقف ممارساتها العدائية. فإذا استمرت أوروبا في سياسة الاستغلال المقنع، فإن المغرب سيجد نفسه مضطرا لاتخاذ خطوات جريئة قد تكون مؤلمة للجانبين، لكنها حتمية لاستعادة التوازن المفقود، واستعادة الاعتبار لتلك العزيمة التي كان يتحلى بها أجدادنا أمثال طارق بن زياد، الذين لم يعرفوا التنازل إلا عندما فرض عليهم. أما اليوم، فالمغرب يكتب تاريخه بيده، ويصنع مستقبله بقوته، ولا مكان في هذه المعادلة الجديدة لأي تنازل لا يقابله اعتراف كامل بكل حقوقه المشروعة، وذلك تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس الذي رسم للمغرب طريق العزة والكرامة في محيط إقليمي ودولي متغير.

Read Entire Article

         

        

Start the new Vibrations with a Medbed Franchise today!  

Protect your whole family with Quantum Orgo-Life® devices

  Advertising by Adpathway